فن

بيت الفيل: كيف نتقن التهرب من الحقائق الواضحة؟

هل يمكن لفيلم حواري يدور في مكان واحد أن يحمل كل هذا الثقل الإنساني؟ «بيت الفيل» يثبت أن السينما تبدأ من النص قبل أي شيء آخر.

future بوستر فيلم «بيت الفيل»

مُفتتح

بعد مشاهدة فيلمه الوثائقي الإبداعي «التشويش الكامل للحواس السينمائية»، يمكنك توقع ما ستشاهده في أعماله الفنية القادمة من تجريب وابتكار.

يشتبك حسين، وهو مخرج العمل، من خلال فيلمه الأول مع السينما، ويُظهر عنفًا تجاه السينما، قد تشعر معه بمشاعر بغض وكراهية، لكنها في جوهرها مشاعر مُحب. يغير على السينما من التقليد، والرتابة، والصورة التي تبدو عليها في وقتنا الحالي.

وبذلك يضع حسين نفسه تحت ضغط كبير، وتوقعات عالية تنتظر منه عندما يقدم فيلمًا روائيًا أن يكون في مستوى عالٍ من الاحترافية أولًا، وأن يكون الفيلم تجريبيًا شجاعًا يقدم رؤية مختلفة خاصة بصانعها.

تطرق حسين من خلال فيلمه الوثائقي إلى مشكلات السينما الحالية، وأبرز نقاط الضعف، ووضع يده على جراح السينما. فماذا قدم لنا حسين في فيلمه الأول؟

يبدو أننا أمام صانع أفلام لديه طموح فني واضح، وجريء، لديه طرح مغاير عن واقع السينما الحالي. هذا ما يخبرنا به فيلمه الوثائقي، ثم يأتي في فيلمه الروائي القصير ليطبق ما أسس له في الوثائقي.

يضع نفسه في عدة تحديات في مشروع تخرجه؛ فيلم حواري يحتل الحوار فيه المساحة الأكبر، بالإضافة إلى مكان واحد نلتزم به طوال الفيلم تقريبًا -فيما عدا المشهد الأول-، وهو كافيه يتقابل فيه ممثل شاب خرج لتوه من تجربة أداء محبطة، مع صديقة قديمة كان بينهما إعجاب لم يثمر شيئًا.

ومن خلال الحوار بين البطل وصديقته، وبعد أن نتعرف على قصة الحب التي كانت بينهما، نقع أمام تساؤل مفاده: لماذا لم تكتمل العلاقة، رغم كل هذه المشاعر التي لا تزال موجودة بعد كل هذه السنين؟

صانع يتحدى نفسه

إذا نظرنا إلى الأفلام الأولى، وكذلك مشاريع التخرج، التي عادةً، في عرف السينمائيين، لا تُعد فيلمًا، ولا تُعامل معاملة الفيلم الكامل، فهي تجارب يختبر فيها الصناع أنفسهم وقدراتهم، سنجد مجموعة من الأخطاء التي غالبًا ما تتكرر في الكثير من الأفلام.

ولكنها في «بيت الفيل» غير موجودة، فنحن أمام تجربة نجت من هذه الأخطاء، وأمام عمل يفرض نفسه، ويفرض صانعه من خلاله أسلوبه وشخصيته.

التحدي الأول: النص

في «بيت الفيل» نجد أنفسنا أمام سيناريو مكتوب بإحكام شديد، بدءًا من الفكرة المستلهمة من قصة قصيرة للروائي الياباني «هاروكي موراكامي»، إلى السيناريو المبذول في تفاصيله جهد واضح، ثم الحوار المتماسك الذي جمع بين المتعة والتشويق دون ملل أو مباشرة فجة.

ولأن الفيلم في الأساس عن معضلة الفيل الذي يكون في الغرفة واضحًا لكننا لا نتحدث عنه، فكان غير مقبول أن نرى مباشرةً من العمل الذي يتحدث عن الفيل كرمز واضح، لكنه في الوقت نفسه مسكوت عنه.

يتقابل البطل وصديقته القديمة داخل مقهى منعزل يبدو وكأنه خارج الزمن، مكان للاعتراف أكثر من كونه مكانًا واقعيًا.

يبدأ الحوار بينهما عندما يراها مصادفةً بعد أن كان جالسًا يفكر في تجربة الأداء المحبطة التي خرج منها، ويراجع حساباته الشخصية في المسلك الذي اتخذه ولم يثمر. ومن خلال الحوار الممتد بين الشخصيات نتعرف على ماضيهما وطبيعة العلاقة بينهما، وحاضرهما.

بيت الفيل: عن الذوات المفقودة، والمشاعر المكبوتة

من أقسى المشاعر التي قد يمر بها الإنسان شعوره بأنه أصبح غريبًا عن الصورة التي تخيلها لنفسه يومًا. يصلح الوصف السابق لبيان الحالة الشعورية للشخصيات.

لا يهتم الفيلم هنا بتقديم حدث محوري تدور حوله الحكاية، ولكنه ينشغل، من خلال المقابلة بين البطلين، بفتح باب للتأمل حول المساحات الرمادية التي يعيش فيها الإنسان بعد الهزائم الصغيرة المتراكمة؛ تلك الهزائم التي لا تبدو مأساوية بما يكفي لكي يلتفت إليها العالم، رغم كونها قادرة ببطء، وعلى المدى الطويل، على إعادة تشكيلنا من الداخل.

يصلح الفيل هنا كاستعارة ترمز إلى شيء ثقيل مسكوت عنه؛ شيء يعرف الجميع بوجوده، لكن يتجنب كل منهم الحديث عنه.

ولدينا هنا الفيل في القصة المحكية من الأبطال أنفسهم، وهي الذكرى المشتركة بين البطلين، ولدينا الفيل المعنوي الذي يرمز إلى مشاعر الأبطال المكبوتة غير المصرح بها بوضوح، رغم دلائل وجودها. وهو ما يتفق مع النهاية التي يتوازى فيها خروج الفيل إلى الشارع مع خروج المشاعر الحقيقية والإعلان عنها من البطلين.

ولعل هذا هو المدخل الحقيقي لفهم عنوان الفيلم: لماذا «بيت الفيل» تحديدًا؟

استعار، فيما أعتقد، صناع العمل عنوانه من التعبير الشهير: «الفيل في الغرفة». وهو ما يصف الحقيقة الواضحة التي يراها الجميع ويتجنب الجميع الحديث عنها.

والحقيقة أن البشر يهربون عادةً من الحقائق الواضحة؛ لأن الغموض يمنحنا مساحة للمناورة، أما الوضوح فيضعنا وجهًا لوجه أمام مسؤولية الاعتراف، ولهذا نتجنب مواجهة الحقائق الواضحة.

نتجنبها لأن مواجهتها تعني الاعتراف بأننا تأخرنا كثيرًا، أو لأننا لم نصبح الأشخاص الذين حلمنا أن نكونهم، أو لأن العلاقات التي نظنها قائمة انتهت فعليًا منذ زمن، ولم يتبقَّ منها سوى الذكرى.

ولأن الإنسان أقل قدرة على احتمال الوضوح والاعتراف من الألم، فالألم يمكن تجميله بالأعذار، أما الحقيقة حين تظهر عارية فإنها تسحب من الإنسان قدرته على الاختباء خلف السرديات التي صنعها لنفسه.

والفيلم، إن صح هذا التأويل، يستخدم الفيل كمرآة يعكس من خلالها دواخل الشخصيات، وحقيقة مشاعرهم المكبوتة، وخيباتهم الدفينة، بعدما آلت إليه الأحلام. فمواجهة صديق قديم تحمل بداخلها مواجهة لذواتنا القديمة، وما كنا عليه وقتها.

كيف تكتب حوارًا مقنعًا؟

الحوار الجيد هو ما يكشف لنا عن شخصياته، وما يخلق صراعًا وتوترًا، وهو الحوار الذي ينقل لنا المشاعر دون السقوط في فخ المباشرة؛ حيث تقول الشخصيات ما تريده بشكل فج.

لأن الطبيعي، في الحياة اليومية، أن الناس لا يقولون مشاعرهم بشكل مباشر وبسهولة، على العكس، يحاول أغلبنا إخفاء حقيقة مشاعره، حتى عندما يريد التعبير عن مشاعره فهو يلمح لما يريد قوله، لأن المشاعر الحقيقية ليست بالأمر الهين، وليس من اليسر الاعتراف بها.

وهذا ما نراه متحققًا بشكل واضح في «بيت الفيل»؛ فالشخصيات لا تصرح بما تشعر به، رغم أنهم كشخصيات، ونحن كمشاهدين، نعرف الحقيقة، ولكن يروم الإنسان إلى أن يُبقي مشاعره متوارية، خاصة مشاعر الحب والإعجاب.

كذلك الحوار الجيد هو الذي يكون قادرًا على صناعة مفردات خاصة لكل شخصية، بحيث لا تكون كل الشخصيات تتحدث بالطريقة نفسها، التي هي في النهاية طريقة الكاتب.

ففي الواقع، كل إنسان يملك مفردات مختلفة، وله إيقاع خاص، وكذلك لكل شخص مستوى من القدرة على التعبير عن نفسه وأفكاره ومشاعره.

ومن أهم نقاط القوة في الحوار هنا، أن الشخصيات تتكلم بصدق يجعلنا، كمشاهدين، منغمسين في المشهد، ويساعد ذلك الممثل على التواصل مع الشخصية.

الأسلوب واللغة السينمائية

ليس من السهل أن يعلن مخرج عن أسلوبه، ولغته الخاصة، من أول تجاربه، وهذا بديهي؛ كون المخرج في بدايته لا يزال يتلمس طريقه، ويجرب ويبحث عما يريد، ويكتشف ما لا يريده، وما يناسبه، وما لا يتناسب معه.

ولكننا في هذا العمل، ومن خلال ملاحظة إيقاع الفيلم، وأداء وشكل الممثلين داخل الكادر، والموسيقى، وتعامله مع الزمن، نلمس بوضوح أسلوب المخرج في الفيلم، وكذلك امتلاكه لأدواته الفنية.

واللغة السينمائية هي الوسيلة التي يفكر بها الفيلم ويعبّر من خلالها؛ الكادر، والإضاءة، وحركة الكاميرا، والإيقاع، والمونتاج، والصوت، والصمت، والعلاقة بين الأجساد والمساحات. أما الأسلوب فهو الكيفية الخاصة التي يستخدم بها المخرج هذه الأدوات حتى تتحول إلى بصمة يمكن تمييزها. اللغة هي الحروف، لكن الأسلوب هو طريقة ترتيب هذه الحروف لكي تصبح رؤية للعالم، لا مجرد تتابع من الصور.

ونحن هنا أمام مخرج يحاول أن يطوع لغة الفيلم في صالح الفكرة والأسلوب، والنتيجة التي حققها مرضية إلى حد كبير.

خاتمة

في النهاية، قدم الفيلم تجربة مشاهدة رائعة من عدة جوانب؛ فمن ناحية الكتابة، فنحن أمام نص متماسك، وحوار مكتوب بحرفية، ومن ناحية الإخراج، فالصانع هنا يدرك ما يريد قوله، ويعرف جيدًا كيف يقوله بوضوح ودون مباشرة.

وعلى جانب آخر، فنحن أمام ميزة تكاد تكون غير متحققة في غالبية الأفلام القصيرة، ومشاريع التخرج خاصة، وهي التمثيل الجيد. قدم أبطال العمل أداءً مقنعًا إلى حد كبير.

كل ذلك يجعلنا في حماسة شديدة للعمل القادم من المخرج، لعله يكون أكثر إتقانًا وتماسكًا.

top-ads

# سينما # سينما مصرية # فن

فيلم ملكة القراصنة: أن تكون جزءا من عالم الفيلم
فيلم «Fatherland»: عن الكفر بمعنى الكلمة
فيلم «Fjord»: كيف تحمي أبنائك من العالم الحر

فن